أحمد بن علي القلقشندي

77

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عند ربّه رضيّا ، وعلى ذبّه عمّا شرع من الدين مرضيّا ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا يزال فضل قديمها مثل حديثها مرويّا ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فلَّما كانت رتب العلم هي الَّتي يتنافس عليها ، ويتطاول إلى التّنقّل إليها ، ويختار منها ما كسي بمباشرة المتقدّم ملابس الجلال ، وآن له أن ينتقل إليه البدر بعد الهلال ، وكانت المدرسة الرّيحانيّة بمحروسة دمشق هي ريحانة المجالس ، وروضة العلم الزّاكية المغارس ، وبحر الفوائد الَّذي يخرج الفرائد ، ومسرح العلماء الَّذي قد آن أن يظفر به منهم من الألف زائد . ولمّا توفّي من آلت إليه ، وعالت مسألتها إلَّا عليه ، وكان ممّن قد ولي الأحكام استقلالا ، وكان لبصر الدّنيا جلاء وللدّين جلالا ، لم تكن إلَّا لمن ينسى به ذلك الذّاهب ، وينسب إليه علم مذهبه كلَّه وإن كان لا يقتصر به على بعض المذاهب ، ويعرف من هو وإن لم يصرّح باسمه ، ويعرف من ( 1 ) هو وإن لم يذكر بعلاء قدره العليّ وعلمه ، ولا يمترى ( 2 ) أنّه خلف « أبا حنيفة » فيمن خلف ، وحصل على مثل ما حصل عليه القاضي « أبو يوسف » ( 3 ) وذهب ذلك في السّلف الأوّل مع من سلف ، وأعلم بجداله أنّ « محمد بن الحسن » ليس من أقران أبي الحسن ، وأنّ « زفر » ( 4 ) لم يرزق طيب أنفاسه في براعة اللَّسن ، وأنّ « الطَّحاويّ » ( 5 ) ما طحا به « قلب إلى الحسان طروب » و « القاضي

--> ( 1 ) كذا بالأصل مكررة . ( 2 ) امترى في الشيء : شك فيه . ( 3 ) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ، صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه وأول من نشر مذهبه . وهو أول من دعي قاضي القضاة ، وكان يقال له : قاضي قضاة الدنيا . من أهم كتبه : « الخراج » « والآثار » . وهو مسند أبي حنيفة . توفي سنة 182 ه . ( وفيات الأعيان : 6 / 378 والأعلام : 8 / 193 ) . ( 4 ) المقصود : زفر بن الهذيل بن قيس العنبري : فقيه كبير من أصحاب أبي حنيفة . توفي سنة 158 ه . ( الأعلام : 3 / 45 ) . ( 5 ) هو أحمد بن محمد بن سلامة المتوفى سنة 321 ه . انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر . ( وفيات الأعيان : 1 / 71 والأعلام : 1 / 206 ) .